محمد بن جرير الطبري
52
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
يقول : لن تعجزوا ربكم هربا منه في الأرض فتفوتوه ، لأنكم حيث كنتم في قبضته ، وهو عليكم وعلى عقوبتكم بمعصيتكم إياه قادر ، يقول : فاحذروه ، وأنيبوا إلى طاعته قبل نزول البلاء بكم . القول في تأويل قوله تعالى : * ( قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون ) * . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) : قل يا محمد لقومك من قريش ، الذين يجعلون مع الله إلها آخر : اعملوا على مكانتكم يقول : اعملوا على حيالكم وناحيتكم . كما : 10819 - حدثني علي بن داود ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : يا قوم اعملوا على مكانتكم يعني على ناحيتكم . يقال منه : هو يعمل على مكانته ومكينته . وقرأ ذلك بعض الكوفيين : على مكاناتكم على جمع المكانة . والذي عليه قراء الأمصار : على مكانتكم على التوحيد . إني عامل يقول جل ثناؤه لنبيه : قل لهم : اعملوا ما أنتم عاملون ، فإني عامل ما أنا عامله مما أمرني به ربي . فسوف تعلمون يقول : فسوف تعلمون عند نزول نقمة الله بكم ، أينا كان المحق في عمله والمصيب سبيل الرشاد ، أنا أم أنتم ؟ وقوله تعالى ذكره لنبيه : قل لقومك يا قوم اعملوا على مكانتكم أمر منه له بوعيدهم وتهديدهم ، لا إطلاق لهم في عمل ما أرادوا من معاصي الله . القول في تأويل قوله تعالى : من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون . يعني بقوله جل ثناؤه : من تكون له عاقبة الدار فسوف تعلمون أيها الكفرة بالله عند معاينتكم العذاب ، من الذي تكون له عاقبة الدار منا ومنكم ، يقول : من الذي يعقب دنياه ما هو خير له منها أو شر منها بما قدم فيها من صالح أعماله أو سيئها . ثم ابتدأ الخبر جل ثناؤه فقال : إنه لا يفلح الظالمون يقول : إنه لا ينجح ولا يفوز بحاجته عند الله من عمل بخلاف ما أمره الله به من العمل في الدنيا ، وذلك معنى ظلم الظالم في هذا الموضع . وفي من التي في قوله : من تكون له وجهان من الاعراب : الرفع على الابتداء ، والنصب بقوله : تعلمون لأعمال العلم فيه والرفع فيه أجود ، لان معناه : فسوف تعلمون أينا له